
هل تعلم أن الشخص العادي يقضي ساعتين ونصف الساعة يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي موجَهاً بخوارزميات لا يعلمها ؟ هذه الأنظمة غير المرئية، المصممة لإبقائنا مدمنين على مواقع التواصل الاجتماعي ، تعمل على تشكيل أفكارنا وسلوكياتنا وحتى هوياتنا. وفي حين أن وسائل التواصل الاجتماعي تربطنا كما لم يحدث من قبل، إلا أن خوارزمياتها لها جانب مظلم – جانب يتلاعب ويستقطب ويستغل. يتعمق هذا المقال في كيفية عمل هذه الخوارزميات، وتأثيرها على حياتنا، وما يمكننا فعله لاستعادة السيطرة.
قائمة المحتويات
ما هي خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي؟
خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي عبارة عن مجموعات معقدة من القواعد ونماذج التعلم الآلي التي تحدد المحتوى الذي تراه، ومتى تراه، وكم مرة. وتستخدم منصات مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك وتويتر هذه الخوارزميات لزيادة تفاعل المستخدم إلى أقصى حد، أي الإعجابات والمشاركات والتعليقات والوقت الذي يقضيه على التطبيق.
صُممت الخوارزميات في جوهرها للتنبؤ بالسلوك والتأثير عليه. فهي تقوم بتحليل تفاعلاتك السابقة وتفضيلاتك وحتى مشاعرك لتنظيم موجز مخصص. وعلى الرغم من أن هذا قد يبدو مريحاً، إلا أن العواقب بعيدة كل البعد عن أن تكون حميدة.
آليات التلاعب
1 – اقتصاد جذب الانتباه
تعمل منصات وسائل التواصل الاجتماعي وفق اقتصاد جذب الانتباه، حيث يكون وقتك وتركيزك هما السلعة الأكثر قيمة. يتم تحسين الخوارزميات لجذب انتباهك والاحتفاظ به، وغالبًا ما يكون ذلك على حساب رفاهيتك.
مثال على ذلك: تم تصميم ميزات التمرير اللانهائي والتشغيل التلقائي لإبقائك ملتصقاً بالشاشة مما يجعل من الصعب عليك فك ارتباطك بها.
2 – غرف الصدى
تعطي الخوارزميات الأولوية للمحتوى الذي يتماشى مع معتقداتك الحالية، مما يؤدي إلى إنشاء غرف صدى تعزز نظرتك للعالم. وهذا يحد من التعرض لوجهات نظر متنوعة ويغذي الاستقطاب.
إحصائية: وجدت دراسة أجرتها شركة Nature Communications في عام 2021 أن غرف الصدى على وسائل التواصل الاجتماعي تضخم المعلومات المضللة والتطرف السياسي.
3 – الاستغلال العاطفي
من المرجح أن ينتشر المحتوى الذي يثير المشاعر القوية – الغضب أو الخوف أو الغضب – على نطاق واسع. وتستفيد الخوارزميات من ذلك من خلال الترويج للمحتوى المثير والمثير للانقسام.
مثال على ذلك: خلال الانتخابات الأمريكية لعام 2020، أعطت خوارزمية فيسبوك الأولوية للمنشورات المشحونة بالعواطف، مما ساهم في انتشار المعلومات المضللة على نطاق واسع.
التأثير على الصحة النفسية
1 – الإدمان وحلقات الدوبامين
صُممت خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي لتحفيز الدوبامين – المادة الكيميائية للمكافأة في الدماغ. كل إعجاب أو تعليق أو مشاركة تخلق حلقة من ردود الفعل التي تجعلك تعود للمزيد.
إحصائية: وجدت دراسة أجريت في عام 2022 في مجلة JAMA Pediatrics أن المراهقين الذين يقضون أكثر من 3 ساعات يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي هم أكثر عرضة لخطر الإصابة بالقلق والاكتئاب واضطرابات النوم.
2 – ثقافة المقارنة وتقدير الذات
يمكن أن تؤدي التغذيات المنسقة والمليئة بأحداث حياة الآخرين إلى مقارنات غير صحية وتراجع تقدير الذات.
مثال على ذلك: تروج خوارزمية إنستجرام للصور ”المثالية“، مما يساهم في ظهور مشاكل في صورة الجسم واضطرابات الأكل، خاصة بين الشابات.
3 – الخوف والقلق
يتم تضخيم الخوف من تفويت الفرصة (FOMO) من خلال الخوارزميات التي تدفع باستمرار المحتوى الرائج. وهذا يمكن أن يؤدي إلى القلق المزمن والشعور بالنقص.
العواقب المجتمعية
1 – الاستقطاب والانقسام
من خلال الترويج للمحتوى المتطرف والمثير للانقسام، تعمق الخوارزميات الانقسامات المجتمعية. وهذا له عواقب في العالم الحقيقي، من الاستقطاب السياسي إلى الاضطرابات الاجتماعية.
مثال على ذلك: أعمال الشغب التي وقعت في الكابيتول في الولايات المتحدة في عام 2021، والتي غذّتها المعلومات المضللة التي انتشرت من خلال الخوارزميات.
2 – تآكل التفكير النقدي
عندما تعطي الخوارزميات الأولوية للمحتوى المثير على المعلومات الواقعية، يتراجع التفكير النقدي. وهذا يقوض عملية صنع القرار المستنير والعمليات الديمقراطية.
إحصائية: وجد تقرير صادر عن معهد رويترز في عام 2023 أن 60% من الأشخاص يجدون صعوبة في التمييز بين الأخبار الموثوقة والمعلومات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي.
3 – استغلال الفئات الضعيفة
غالبًا ما تستهدف الخوارزميات الفئات الضعيفة من السكان، مثل الأطفال والأفراد الذين يعانون من مشاكل الصحة العقلية، بمحتوى ضار.
مثال على ذلك: تعرضت خوارزمية TikTok لانتقادات بسبب ترويجها لمحتوى إيذاء النفس واضطرابات الأكل للمستخدمين الشباب.
كيف يتم تصميم الخوارزميات لجذب انتباهك
1 – التخصيص والتحليلات التنبؤية
تستخدم الخوارزميات بياناتك – الإعجابات، والمشاركات، وسجل البحث، وحتى الموقع الجغرافي – للتنبؤ بما سيبقيك متفاعلاً.
مثال: إذا شاهدت مقطع فيديو عن اللياقة البدنية، ستغمر الخوارزمية خلاصتك بمحتوى ذي صلة، مما يؤدي إلى إنشاء حلقة من ردود الفعل.
2 – المكافآت المتغيرة
مستوحاة من أجهزة القمار، تستخدم منصات التواصل الاجتماعي المكافآت المتغيرة لإبقائك متعلقاً بها. فأنت لا تعرف أبدًا متى ستحصل على إعجاب أو منشور سريع الانتشار، لذلك تستمر في التصفح.
3 – التحقق الاجتماعي
تعطي الخوارزميات الأولوية للمحتوى الذي يحظى بتفاعل كبير، مما يخلق دورة يبحث فيها المستخدمون عن التحقق من صحة المحتوى من خلال الإعجابات والتعليقات.
استعادة السيطرة: ماذا يمكننا أن نفعل؟
1 – التخلص من السموم الرقمية
خذ فترات راحة منتظمة من وسائل التواصل الاجتماعي لتقليل الاعتماد عليها وتحسين الصحة النفسية.
نصيحة: استخدم تطبيقات مثل Freedom أو Stay Focused للحد من الوقت الذي تقضيه أمام الشاشة.
اقرأ المزيد في هذه المقالة المفيدة : التخلص من السموم الرقمية: دليل استعادة وقتك وتركيزك
2 – نظّم خلاصة معلوماتك
قم بإلغاء متابعة الحسابات التي تجعلك تشعر بالسلبية أو القلق، وتابع الحسابات التي تلهمك وتثقفك.
مثال على ذلك: تابع المدافعين عن الصحة النفسية والمثقفين والمدققين في الحقائق لتحقيق التوازن في معلوماتك.
3 – ثقف نفسك
تعلم كيف تعمل الخوارزميات وتعرف على تكتيكاتها التلاعبية. الوعي هو الخطوة الأولى نحو المقاومة.
الموارد: شاهد أفلام وثائقية مثل ”المعضلة الاجتماعية“ لفهم الآليات الخفية لوسائل التواصل الاجتماعي.
4 – المطالبة بالمساءلة
دعم اللوائح التي تجعل شركات التواصل الاجتماعي مسؤولة عن تأثير خوارزمياتها على المجتمع.
مثال على ذلك: الدعوة إلى قوانين مثل قانون الخدمات الرقمية في الاتحاد الأوروبي، الذي يهدف إلى الحد من الممارسات الخوارزمية الضارة.
آراء الخبراء
تحذر الدكتورة شوشانا زوبوف، مؤلفة كتاب ”عصر رأسمالية المراقبة“:
”لا تقوم خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي بتشكيل خلاصاتنا فحسب، بل إنها تشكل مستقبلنا. إنها تستغل سيكولوجيتنا من أجل الربح، وغالبًا ما يكون ذلك على حساب استقلاليتنا ورفاهيتنا.“
ويضيف تريستان هاريس، وهو مهندس سابق في جوجل ومؤسس مشارك لمركز التكنولوجيا الإنسانية:
”الخوارزميات مصممة لإدماننا. فهي لا تهتم بصحتنا العقلية أو ديمقراطيتنا. والأمر متروك لنا لمقاومة ذلك.“
النقاط الرئيسية
تم تصميم خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي لتحقيق أقصى قدر من التفاعل، وغالبًا ما يكون ذلك على حساب الصحة النفسية والرفاهية المجتمعية.
تخلق وسائل التواصل الاجتماعي غرف صدى، وتستغل العواطف، وتغذي الإدمان من خلال حلقات الدوبامين.
تشمل عواقب وسائل التواصل الاجتماعي الاستقطاب والتضليل وتراجع التفكير النقدي.
تتطلب استعادة السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي الوعي والاستخدام المتعمد والدعوة إلى المساءلة.
قسم الأسئلة الشائعة
س: هل يمكنني إلغاء الاشتراك في الخوارزميات؟
ج: توفر بعض المنصات، مثل Instagram و X، خيار موجز زمني للتسلسل الزمني، ولكنه غالبًا ما يكون مدفونًا في الإعدادات.
س: هل جميع الخوارزميات ضارة؟
ج: ليس بالضرورة. يمكن أن تكون الخوارزميات مفيدة عندما يتم تصميمها بشكل أخلاقي، مثل تلك التي تروج للمحتوى التعليمي.
س: كيف تؤثر الخوارزميات على الأطفال؟
ج: الأطفال معرضون بشكل خاص للتلاعب بالخوارزميات، مما قد يؤدي إلى الإدمان وتدني احترام الذات والتعرض لمحتوى ضار.
س: ما الذي يتم عمله لتنظيم الخوارزميات؟
ج: تقوم الحكومات في جميع أنحاء العالم بإدخال قوانين لزيادة الشفافية والمساءلة، ولكن التقدم بطيء.
نصائح عملية
استعد السيطرة على حياتك الرقمية اليوم. دقّق في عاداتك على وسائل التواصل الاجتماعي، وثقّف نفسك بشأن الخوارزميات، ودافع عن الممارسات التقنية الأخلاقية. انتباهك ثمين – لا تدع الخوارزميات تستغله.
- راجع استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي وضع حدودًا يومية لاستخدامك لها.
- قم بإلغاء متابعة الحسابات التي تثير المشاعر السلبية.
- ثقف نفسك بشأن التلاعب بالخوارزميات.
- دعم المنظمات التي تدافع عن الممارسات التقنية الأخلاقية.
اترك تعليقاً