اجتماع الرياض لدعم سوريا: نقطة تحول في إعادة الإعمار و تعافي سوريا

·

اجتماع الرياض لدعم سوريا: نقطة تحول في إعادة الإعمار و تعافي سوريا

شكّل اجتماع الرياض لدعم سوريا، الذي عُقد في 12 يناير/كانون الثاني 2025، لحظة محورية في جهود المجتمع الدولي للمساهمة في تعافي سوريا بعد الإطاحة بالرئيس بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. جمع هذا الاجتماع الرفيع المستوى كبار المسؤولين الغربيين والعرب لمناقشة قضايا حاسمة مثل تخفيف العقوبات والمساعدات الإنسانية والانتقال السياسي والاستقرار الإقليمي. وسلط الاجتماع، الذي استضافته المملكة العربية السعودية، الضوء على تعقيدات إعادة بناء دولة دمرتها الحرب التي دامت قرابة 14 عامًا والتحديات التي تواجه ضمان مستقبل سلمي وشامل للشعب السوري.

سياق اجتماع الرياض لدعم سوريا

أدى سقوط بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، في أعقاب هجوم خاطف قادته المعارضة السورية، إلى قلب المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط. فقد أنهت الإطاحة بالأسد حكم عائلته الذي استمر خمسة عقود، وأتاحت الفرصة لسوريا لرسم مسار جديد. ومع ذلك، فقد ظلت العملية الانتقالية محفوفة بالتحديات، بما في ذلك الحاجة إلى تعافي سوريا و معالجة الأزمة الإنسانية، وإعادة بناء البنية التحتية، وإنشاء إطار حوكمة يضمن الشمولية والمساءلة.

كان اجتماع الرياض لدعم سوريا أول تجمع دولي كبير منذ سقوط الأسد، حيث جمع وزراء خارجية ودبلوماسيين من الدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة وألمانيا والمملكة المتحدة، بالإضافة إلى لاعبين إقليميين رئيسيين مثل المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا وقطر. كما شارك وزير الخارجية السوري الجديد، أسعد الشيباني، المعين من قبل حكومة تصريف الأعمال التي تقودها هيئة تحرير الشام، وحث المجتمع الدولي على رفع العقوبات المفروضة منذ عقود لتسهيل إعادة الإعمار والتعافي.

رفع العقوبات: الموازنة بين المساءلة والاحتياجات الإنسانية

كان أحد المواضيع الرئيسية في اجتماع الرياض لدعم سوريا هو النقاش حول تخفيف العقوبات. فقد أدت العقوبات المفروضة على سوريا من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى إلى شل اقتصاد البلاد، مما أعاق الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل الطاقة والرعاية الصحية والمصارف. وفي حين أن هذه العقوبات كانت مصممة في البداية للضغط على نظام الأسد، إلا أن استمرار تطبيقها يفاقم معاناة السوريين البسطاء.

واتخذت الولايات المتحدة خطوة مهمة بإصدارها إعفاءً لمدة ستة أشهر من المعاملات مع مؤسسات الحكم السورية، مما سمح بتدفق المساعدات الإنسانية وإمدادات الطاقة. وفي الوقت نفسه، اقترحت ألمانيا ”مقاربة ذكية“ للعقوبات، داعيةً إلى إغاثة السكان مع الإبقاء على العقوبات ضد الأفراد المسؤولين عن جرائم الحرب خلال الحرب الأهلية. وأعلنت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بايربوك عن مساعدات إضافية للغذاء والمأوى والرعاية الطبية، مؤكدة على ضرورة دعم السوريين خلال هذه المرحلة الانتقالية الحرجة.

كما أشار الاتحاد الأوروبي أيضًا إلى استعداده للنظر في تخفيف العقوبات، شريطة التزام الإدارة السورية الجديدة بالشمولية وحقوق الإنسان ومنع التطرف. وشدّدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس على أن أي قرار سيتطلب إجماعًا بين الدول الأعضاء وسيرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتطورات السياسية في سوريا.

المرحلة الانتقالية في سوريا: الشمولية والمساءلة

سلط اجتماع الرياض لدعم سوريا الضوء على توقعات المجتمع الدولي بشأن الانتقال السياسي في سوريا. وأكد المشاركون على الحاجة إلى حكومة شاملة وغير طائفية تمثل جميع شرائح المجتمع السوري، بما في ذلك النساء والأقليات. كما دعا وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي إلى ”مستقبل ديمقراطي“ لسوريا، مؤكداً على أهمية حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات وبناء الأمن داخل البلاد.

ومع ذلك، أثيرت مخاوف بشأن إشراك مقاتلين أجانب في قوات الأمن السورية الجديدة واحتمال تحول البلاد إلى قاعدة لتنظيمات مسلحة. وتعهّد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بدعم تطبيع العلاقات بين سوريا والمجتمع الدولي مع الحث على اتباع نهج متوازن يأخذ بعين الاعتبار الحقائق التي تواجهها الإدارة الجديدة.

الديناميات الإقليمية: الدور القيادي للمملكة العربية السعودية

أكدت استضافة المملكة العربية السعودية لاجتماع الرياض لدعم سوريا على تأثيرها المتزايد في تشكيل المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط. فقد اضطلعت المملكة، التي كانت قد قطعت علاقاتها مع نظام الأسد، بدور قيادي في تنسيق الجهود الإقليمية لدعم تعافي سوريا. وقد قدمت المملكة العربية السعودية بالفعل الغذاء والمأوى والإمدادات الطبية لسوريا، وتدعو إلى اتخاذ موقف إقليمي موحد بشأن تخفيف العقوبات وإعادة الإعمار.

كما عكس اجتماع الرياض لدعم سوريا تحولات أوسع نطاقاً في الديناميكيات الإقليمية، بما في ذلك إضعاف النفوذ الإيراني والروسي في سوريا بعد الإطاحة بالأسد. وتواجه الآن الدول العربية، التي بدأ العديد منها في إعادة الانخراط مع الأسد في السنوات الأخيرة، تحدي التعامل مع واقع سياسي جديد في دمشق.

التحديات والفرص في سوريا

لقد أرسى اجتماع الرياض لدعم سوريا الأساس للتعاون الدولي في إعادة إعمار سوريا، ولكن لا تزال هناك تحديات كبيرة. إذ يجب على الإدارة السورية الجديدة أن تثبت التزامها بالشمولية وحقوق الإنسان وسيادة القانون لكسب ثقة المجتمع الدولي. وفي الوقت نفسه، يجب على المجتمع الدولي أن يوازن بين الحاجة إلى المساءلة والحاجة الملحة لتوفير الإغاثة الإنسانية ودعم تعافي سوريا.

وبينما يراقب العالم المرحلة الانتقالية في سوريا وهي تتكشف، فإن اجتماع الرياض لدعم سوريا هو بمثابة تذكير بتعقيدات إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الصراع وأهمية المشاركة الدولية المستمرة. وستكون الأشهر القادمة حاسمة في تحديد ما إذا كانت سوريا قادرة على الخروج من عقود من الصراع وبناء مستقبل يتسم بالسلام والاستقرار والازدهار.

في الختام، يمثل اجتماع الرياض لدعم سوريا خطوة مهمة إلى الأمام في المرحلة الانتقالية في سوريا . فمن خلال الجمع بين أصحاب المصلحة الرئيسيين وتعزيز الحوار حول القضايا الحرجة، مهد الاجتماع الطريق لاستجابة دولية منسقة لواحدة من أكثر الأزمات الإنسانية والجيوسياسية إلحاحًا في عصرنا الحالي. وسيعتمد نجاح هذه الجهود على التزام جميع الأطراف بإعطاء الأولوية لاحتياجات الشعب السوري والعمل من أجل رؤية مشتركة لمستقبل أكثر إشراقاً للبلاد.